الشيخ محمد هادي معرفة
74
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
البحوث النظرية « 1 » يزعمون أنّ القرآن قد نقص منه ، استنادا إلى لفيف روايات يروونها بهذا الشأن ، ممّا لا قيمة لها عند المحقّقين ، وإنّما أخذها هؤلاء على علّاتها ، نظير إخوانهم الحشوية من أبناء السنّة . غير أنّهم ينكرون أشدّ الإنكار وجود زيادة في النصّ الموجود ، وأنّ ذلك غير جائز بضرورة الشرع ، كما لا تبديل في شيء منه ولا تغيير عمّا كان عليه . سوى أنّه ذهب منه - في زعمهم - شيء كثير « 2 » قالوا : والإمام القائم يحيط به علما . وأمّا الفريق الثاني - وهم المحقّقون من أهل النظر والاستنباط - ممّن بنوا أسس الشريعة على قواعد العقل والحكمة الرشيدة ، وأشادوا من مباني العدل ، وقالوا بضرورة تحكيم الإمامة بعد انقضاء عهد النبوّة . هؤلاء يرفضون احتمال كلّ تغيير أو تبديل ، لا بنقص ولا بزيادة ولا بتحوير ، رفضا باتا ، وأنّ القرآن باقٍ كما هو ، على ما أنزله اللّه على رسوله صلى الله عليه وآله لم يغيّر ولم يبدّل ولا زال عمّا كان عليه . قال الأشعري : واختلفت الروافض في القرآن ، هل زيد فيه أو نقص منه ؟ وهم فرقتان ، فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنّ القرآن قد نقص منه . وأمّا الزيادة فذلك غير جائز أن يكون قد كان ، وكذلك لا يجوز أن يكون قد غيّر منه شيء عمّا كان عليه ، فأمّا ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منه ، والإمام يحيط علما به .
--> ( 1 ) - هم فئة متشعّبة عن جماعة محدّثي الشيعة في عصر متأخّر ، وسمّوا أنفسهم بالأخبارية ، وسمّهم بذلك علَمهم الشاخص الجزائري في رسالته « منبع الحياة » ص ، 31 ، ط بغداد . ومن أبرز سماتهم التزمّت والقشريّة ، وحشد الحقائب بالنقول والحكايات حشدا بلا هوادة ، على غرار إخوانهم الحشويّة النوابت من الحنابلة ، على حدّ تعبير القاضي عبد الجبار في شرحه للُاصول الخمسة ، ص 527 . ( 2 ) - أوّل من زعم أنّ القرآن قد ذهب منه شيء كثير هو عبداللّه بنعمر ، كان يقول : لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه ، ما يدريه ما كلّه ؟ قد ذهب منه قرآن كثير . الإتقان ، ج 3 ، ص 72 . ولعلّ هذا كان مغبّة ما قرع سمعه من قولة والده : قد ذهب من القرآن أكثر من ثلثيه . الإتقان ، ج 1 ، ص 198 . أو ما ذكره ابنشهاب : قد ذهب قرآن كثير بذهاب حملته يوم اليمامة . منتخب كنز العمال بهامش المسند ، ج 2 ، ص 50 . والظاهر أنّ كلّ ذلك مكذوب عليهم كما كذب على الشيعة الأبرياء .